ابن أبي الحديد

52

شرح نهج البلاغة

من تأذى برؤية ثقيل لم يلبث أن يغتابه ويثلبه ، وذلك فساد في الدين ، وفى العزلة السلامة عن جميع ذلك . * * * واعلم أن كلام أمير المؤمنين عليه السلام تختلف مناهجه ، فقد رجح العزلة في هذا الفصل على المخالطة ، ونهى عن العزلة في موضع آخر سيأتي ذكره في الفصل الذي أوله ( أنه دخل على العلاء بن زياد الحارثي عائد ) ، ويجب أن يحمل ذلك على أن من الناس من العزلة خير له من المخالطة ، ومنهم من هو بالضد من ذلك ، وقد قال الشافعي قريبا من ذلك ، قال ليونس بن عبد الأعلى صاحبه : يا يونس ، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة ، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء ، فكن بين المنقبض والمنبسط . فإذا أردت العزلة فينبغي للمعتزل أن ينوى بعزلته كف شره عن الناس أولا ، ثم طلب السلامة من شر الأشرار ثانيا ، ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين ثالثا ، ثم التجرد بكنه الهمة بعبادة الله تعالى رابعا ، فهذه آداب نيته ، ثم ليكن في خلوته مواظبا على العلم والعمل ، والذكر والفكر ، ليجتني ثمرة العزلة . ويجب أن يمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته ، فيتشوش وقته ، وأن يكف نفسه عن السؤال عن أخبارهم وأحوالهم ، وعن الاصغاء إلى أراجيف الناس وما الناس مشغولون به ، فإن كل ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث على الخاطر والبال وقت الصلاة ووقت الحاجة إلى إحضار القلب ، فإن وقوع الاخبار في السمع كوقوع البذر في الأرض ، لا بد أن ينبت وتتفرع عروقه وأغصانه ، وإحدى مهمات المعتزل قطع الوساوس الصارفة عن ذكر الله ، ولا ريب أن الاخبار ينابيع الوساوس وأصولها . ويجب أن يقنع باليسير من المعيشة ، وإلا أضطره التوسع إلى الناس ، واحتاج إلى مخالطتهم .